>

 صامولي شيلكه

 

إلغاء الحرية الشعبية بمناسبة إنفلونزا الخنازير

 

كان إلغاء مولد السيدة زينب بمناسبة إنفلونزا الخنازير أول إلغاء لمولد كبير في مصر منذ نهاية الحرب العالمية الأولى, حيث قررت السلطات الإنجليزية في سنة ١٩١٥ إلغاء مولد السيد البدوي في طنطا خوفاً من أن يصبح مناسبة للمقاومة ضد الإستعمار الإنجليزي ،الذي تم الإعلان الرسمي عنه في نفس العام. واستمر هذا الإلغاء حتى سنة ١٩١٩.

 

تعد  الموالد من أهم تعابير الفرح و التعددية  و الإبداع الشعبي في مصر.&xnbsp; لهذا تعرضت للكثير من النقد والعداء من أنصار كلا من الحداثة والصحوة الدينية. والسبب في ذلك أنها مفتوحة للجميع - جميع الأفراد, جميع أنواع الاحتفال, جميع الطبقات, ولا يسيطر عليها أحد. وحيث أن هدف مشروع الحداثة عند الحكومة المصرية هو السيطرة على المجتمع في شكل مناقض تماماً لفكرة المولد، فليس في هذا المشروع مجال للاحتفال المفتوح ولحرية التعبير الشعبي. فهذه الصورة الحداثية للمجتمع تعتمد على قوانين وقواعد لا تتغير ولا تسمح للجماهير بأي دور إلا دور المستمع الذي يقبل ويفهم ويطبق ما يقدم له من قبل الدولة والتعليم والمثقفون ورجال الدين. ولكن المولد لا يعرف هذا النظام الهرمي وهو لا يخدم أي نظام. ولذلك فقد  اتهم أنصار الثورة الموالد بالرجعية وزعم المحافظون أن الموالد مناسبة خطرة لكسر النظام. في كل هذه الأحوال عجزوا عن فهم طبيعة الموالد الحقيقية: وهي أنها تعبير شعبي عن الحرية. المولد يوم في السنة يسمح للإنسان بالحياة خارج النظام الضيق الذي يسيطر على الأيام العادية. وإن لم يهدف لتغيير ذلك النظام, فلا يرى النظام أن المولد يخدمه وهذا في حد ذاته يجعل المولد خطراً على الحكومة.

 

ليست إنفلونزا الخنازير هي السبب الحقيقي إذا لإلغاء مولد السيدة زينب.السبب الحقيقي أن المولد تعبير عن حرية, وإن كان تعبير عن حرية غير سياسية وغير معارضة, فالحكومة تكره كل أنواع الحرية. إلغاء مولد السيدة زينب خطوة خطيرة جداً في طريق محاولة إلغاء كل مناسبات الحرية و التعددية استبدال السيطرة المطلقة بها. نتمنى أن يفوز صوت العقل و الإنسانية على صوت السيطرة و الخوف من الشعب. و لهذا يجب أن تحرص  جميع الفئات الثقافية والتعليمية والسياسية المستقلة على الدفاع عن الفرح والحرية, فإن لم نقبل بالحريات الصغيرة لن نستطيع تحقيق الحريات الكبيرة.

 

policemen removing vendors' stands at the mulid of as-Sayyid al-Badawi in Tanta, 2004. Photo (c) Samuli Schielke.

د. صامولي شيلكه

باحث في العلوم الإجتماعية في مركز دراسات الشرق المعاصر في برلين. حصل على درجة الدكتوراه من جامعة أمستردام في عام 2006 و كانت رسالة الدكتوراه عن الموالد كموضوع النقاش في مصر المعاصرة.

 


Return to the research page